محمد حسين الذهبي

479

التفسير والمفسرون

زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته ، وكانت لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها - وقد روينا أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك - فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها ، فسأله النزول له عنها ، فاستحيا أن يرده ، ففعل ، فتزوجها - وهي أم سليمان - فقيل له : إنك مع عظيم منزلتك ، وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك ، وكثرة نسائك ، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول ، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك ، وقهر نفسك ، والصبر على ما امتحنت به . وقيل خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها ، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه . وأما ما يذكر أن داود عليه السلام ، تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فقال : يا رب ، إن آبائي قد ذهبوا بالخير كله ، فأوحى إليه أنهم ابتلوا ببلايا فصبروا عليها ، قد ابتلى إبراهيم بنمرود وذبح ولده ، وإسحق بذبحه وذهاب بصره ، ويعقوب بالحزن على يوسف ، فسأل الابتلاء ، فأوحى اللّه إليه : إنك لمبتلى في يوم كذا وكذا فاحترس ، فلما حان ذلك اليوم ، دخل محرابه ، وأغلق بابه ، وجعل يصلى ويقرأ الزبور ، فجاء الشيطان في صورة حمامة من ذهب ، فمدّ يده ليأخذها لابن له صغير فطارت ، فامتد إليها فطارت ، فوقعت في كوة فتتبعها ، فأبصر امرأة جميلة قد نفضت شعرها فغطى بدنها ، وهي امرأة أوريا ، وهو من غزاة البلقاء ، فكتب إلى أيوب بن صوريا - وهو صاحب بعث البلقاء - أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت - وكان من يتقدم لا يحل له أن يرجع حتى يفتح اللّه على يده أو يستشهد - ففتح اللّه على يده وسلم ، فأمر برده مرة أخرى وثالثة حتى قتل ، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما يحزن على الشهداء ، وتزوج امرأته . فهذا ونحوه ، مما لا يصح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين ، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء . وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور : أن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص ، جلدته مائة وستين جلدة ، وهو حد الفرية على الأنبياء .